إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

28

الاعتصام ( تحقيق الهلالي )

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَقُّ ضِدَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ ، فَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ ، فَلَوْ عَلِمُوا لَحَصَلَ الْوِفَاقُ ، وَلَمْ يُسْمَعِ الْخِلَافُ ، وَلَكِنَّ سَابِقَ الْقَدَرِ حَتَّمَ عَلَى الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 118 ] . ثُمَّ اسْتَمَرَّ مَزِيدُ الْإِسْلَامِ ، وَاسْتَقَامَ طَرِيقُهُ عَلَى مُدَّةِ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ، وَأَكْثَرِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، إِلَى أَنْ نَبَغَتْ فِيهِمْ نَوَابِغُ الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ ، وَأَصْغَوْا إِلَى الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ ، كَبِدْعَةِ الْقَدَرِ ، وَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ ، وَهِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ : « يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ » ; يَعْنِي : لَا يَتَفَقَّهُونَ فِيهِ ، بَلْ يَأْخُذُونَهُ عَلَى الظَّاهِرِ ; كَمَا بَيَّنَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي بِحَوْلِ اللَّهِ . وَهَذَا كُلُّهُ فِي آخِرِ عَهْدِ الصَّحَابَةِ . ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الْفِرَقُ تَكْثُرُ حَسْبَمَا وَعَدَ بِهِ الصَّادِقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي قَوْلِهِ : « افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَالنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً » .